فخر الدين الرازي

241

تفسير الرازي

الفرق الذي ذكره القاضي فبعيد ، لأنه إذا عزم على أن يتوب عنه في الحال علم أنه لا يضره ذلك الذنب البتة . ثم نقول مذهبنا أنا نقطع بحصول العفو عن الكبائر في الجملة ، فأما في حق كل واحد من الناس فذلك مشكوك فيه لأنه تعالى قال : * ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * فقطع بحصول المغفرة في الجملة ، إلا أنه سبحانه وتعالى لم يقطع بحصول هذا الغفران في حق كل أحد بل في حق من شاء وإذا كان كذلك كان الخوف حاصلاً فلا يكون الإغراء حاصلاً والله أعلم . المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف " قرئ الدين بالرفع ، ثم قال : وحق من رفعه أن يقرأ مخلصاً بفتح اللام لقوله تعالى : * ( وأخلصوا دينهم لله ) * ( النساء : 146 ) حتى يطابق قوله : * ( ألا لله الدين الخالص ) * والخالص واحد إلا أنه وصف الدين بصفة صاحبه على الإسناد المجازي كقولهم شعر شاعر ، واعلم أنه تعالى لما بين أن رأس العبادات ورئيسها الإخلاص في التوحيد أردفه بذم طريقة المشركين فقال : * ( والدين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * وتقدير الكلام والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، وعلى هذا التقدير فخبر الذين محذوف وهو قوله يقولون ، واعلم أن الضمير في قوله : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله ، وهي قسمان العقلاء وغير العقلاء ، أما العقلاء فهو أن قوماً عبدوا المسيح وعزيزاً والملائكة ، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة ، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام ، إذا عرفت هذا فنقول الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء ، أما بغير العقلاء فلا يليق ، وبيانه من وجهين الأول : أن الضمير في قوله : * ( ما نعبدهم ) * ضمير للعقلاء فلا يليق بالأصنام الثاني : أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار أنها تقربه إلى الله ، وعلى هذا التقدير فمرادهم أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله ، ويمكن أن يقال : إن العاقل لا يبعد الصنم من حيث إنه خشب أو حجر ، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية ، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا ، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صوراً لها . وحاصل الكلام لعباد الأصنام أن قالوا : إن الإله الأعظم أجل من أن يعبده البشر اللائق بالبشر أن يشتغلوا بعبادة الأكابر من عباد الله مثل الكواكب ومثل الأرواح السماوية ، ثم إنها تشتغل بعبادة الإله الأكبر ، فهذا هو المراد من قولهم : * ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) * . واعلم أن الله تعالى لما حكى مذاهبهم أجاب عنها من وجوه : الأول : أنه اقتصر في الجواب على مجرد التهديد فقال : * ( إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون ) * واعلم أن الرجل المبطل إذا ذكر مذهباً باطلاً وكان مصراً عليه ، فالطريق في علاجه أن يحتال بحيلة توجب زوال ذلك الإصرار عن